الرئيسية / الأسرة و المجتمع / وراء الستار: الشيطان يختفي دائما في التفاصيل

وراء الستار: الشيطان يختفي دائما في التفاصيل

بقلم أحمد بلغازي

       لمدة عقود طويلة كانت السياسة الحكومية والحزبية عبارة عن برامج وطروحات وشعارات وخطب مذهبية وتجمعات موسمية فيما يكتفي المتلقي باستهلاك تلك الأدبيات دون إيلاء أي اهتمام لتفاصيل حياة وسيرة الفاعل السياسي، حيث ينتهي الاهتمام به بمغادرته لمنصة الخطابة، فيما أسرار حياته الخاصة تظل حكرا على شلة محدودة جدا من الأقارب والأصدقاء وقلما تتسرب خارج الصالونات المغلقة.

      ويمكن القول اليوم أن هذا العصر قد ولى نهائيا بعد أن تبخرت عادة التكتم والسرية، بل واختفت هالة ” القداسة ” التي كان يتمتع بها بعض الزعماء الحزبيين والنقابيين الذين طالما تمسكوا بصورتهم کأبطال لا يقهرون أو مناضلين يصمدون في وجه المحن بل ويدخلون السجون حاملين شارة النصر مصحوبين بالهتافات والزغاريد.

       لقد أسفرت التطورات المتسارعة والمتلاحقة التي عرفها المجتمع المغربي الذي لم يسلم كغيره من المجتمعات من غزو وسطوة وسائل الإعلام الحديثة عن إحداث تغيير جدري لصورة السياسي والحزبي والمسؤول الحكومي لدى الرأي العام، فغاب الاهتمام المنصب فقط على الخطاب والبرنامج السياسي، ليحل محله التدقيق في تفاصيل الحياة الخاصة للفاعل السياسي إلى درجة الإسراف والتلصص على الخبايا، والاهتمام بلون ربطة عنقه بدل البحث في جدوى خطبه وأقواله ووعوده.

      فيما مضى من عقود كان الفاعلون السياسيون يراهنون على صحافة أحزابهم التي تتكلف بتلميع صورتهم وإبراز الحكم التي ترد على ألسنتهم، والمواقف الصاخبة المدوية التي عبروا عنها خلال التجمعات الجماهيرية، لكن هذه الصحافة الحزبية التي صالت وجالت على امتداد نصف قرن من الزمن، أصيبت فجأة بالسكتة القلبية أو في أحسن الأحوال تعيش لحظة احتضار طويل وطال أمد إدخالها غرف الإنعاش المركز، فهجرها القراء بل وهجرها مناضلوا الأحزاب التي تنطق باسمهم وبلسانهم ليتوزع اهتمام الجمهور بين الصحافة الخاصة التي تسمى خطأ  ب ” المستقلة “، وبين وسائل الاتصال الجديدة وأبرزها المواقع الاجتماعية على الأنترنيت التي تهدف إلى خلق ” المواطن الصحافي ” القادر على تمرير المعلومات بيسر وسلاسة، وبالبرغم أنها فشلت في ذلك، بعد أن تحولت تلك المواقع إلى سوق عشوائية لنشر الإشاعات والخرافات والأكاذيب التي قد تجعلنا نترحم على الصحافة الحزبية رغم قصورها وعيوبها ومهنيتها الضعيفة.

      وفي خضم هذه الفوضى، تزعزعت الصورة التقليدية للفاعل السياسي، فسارت بأسراره الركبان، حيث ما من كبوة لحصانه تفلت من المتابعة والتضخيم والتهويل، وما من سر حول زواجه أو طلاقه أو دخوله قصة حب وغرام، إلا وأصبح حديث الخاص والعام، مع إضافة العديد من التوابل إليه، وتطعيمه بالعديد من التهيئات، فإذا حدث أن رقص فاعل سياسي في حفل خاص أو عام، تكتسي اللقطة التي ” تؤرخ ” لرقصته الصدارة عما عداها من أخبار وأحداث مهما كانت جسامتها وخطورتها، لكن هذا لم يمنع المواقع الالكترونية من لعب دور استقصائي هام في فضح بعض تلاعبات الفاعلين السياسيين والكشف عن تلك التفاصيل المحرجة التي يقول المثل إن الشيطان يختفي بين ثناياها، وهي الكفيلة بالفصل بين حقيقة الأقوال والأفعال، وبين الصورة التي يسعى الفاعل السياسي والحزبي إلى تسويقها للرأي العام كنموذج للاستقامة والشفافية والنزاهة، لكن بعض التفاصيل التي تبدو صغيرة للغاية من شأنها أن تهدم مسارات سياسية بأكملها وتلغي بجرة قلم أو بنقرة على الحاسوب طموحات الزعامة والاستوزار.

 

عن majaliss

شاهد أيضاً

سلوك حراس السيارات موضوع مساءلة في البرلمان

“مجالس.نت”  تجاوزت ظاهرة المضايقات التي يقوم بها حراس السيارات للمواطنين حدود مواقع ركن السيارات ،وطرحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *