“مجالس.نت”
في الوقت الذي تتزين فيه مدينة طنجة بواجهاتها البحرية البراقة، وتُسوق كقطب اقتصادي وسياحي عالمي في شمال المغرب، تعيش منطقة “جزناية” التابعة لنفوذ عمالة طنجة أصيلة واقعًا دراماتيكيًا ينفصل تمامًا عن هذه الصورة البراقة. فقاطنو هذه المنطقة يعيشون وضعًا مأساويًا يُشبه العيش خارج حدود ولاية طنجة، جراء التهميش الممنهج والتسيير العشوائي الذي حول حياة آلاف المواطنين إلى معاناة يومية لا تنتهي.
البناء العشوائي وغياب التخطيط اصبح بيئة خصبة للجريمة
فلم تعد “جزناية” مجرد ملحق حضري، بل أصبحت نموذجًا صارخًا للفوضى العمرانية. يُلقي الساكنة باللائمة على التعقيدات المسطرية وغياب رخص البناء القانونية، مما أدى إلى استفحال الظاهرة وازدهار البناء العشوائي تحت مسميات عدة.
هذا النمو العمراني غير المتناسق لم ينتج عنه تشويه للمشهد العام فحسب، بل خلق أزقة مظلمة وساهم في غياب التغطية الأمنية الكافية.
ونتيجة لهذا الفراغ، أصبحت المنطقة مسرحًا لسرقات متواصلة “ليل نهار”، واعتداءات متكررة تمس السلامة الجسدية للمواطنين، الذين باتوا يشعرون بالخوف والترهيب في أحضان أحياء تنعدم فيها أدنى شروط الأمن والاستقرار.
الحصار الطرقي والانعزال اللوجستي
على الرغم من قربها من شرايين اقتصادية حيوية، تعاني جزناية من حرمان شبه تام من خدمات النقل العمومي الأساسية:
غياب سيارات الأجرة الصغيرة: مما يترك المواطن تحت رحمة “النقل السرّي” أو قطع مسافات طويلة مشيًا على الأقدام.
غياب خطوط حافلات النقل الحضري، بحيث لا تغطي الخطوط الحالية أغلب أجزاء المنطقة والأحياء السكنية، مما يزيد من عزلة الطلبة والعمال والموظفين.
المنطقة الصناعية بـ”الكامبا” هي الاخرى منطقة تُفترض فيها حيوية اقتصادية، لكنها تعاني من إهمال بنتيها التحتية وتهميش يستنزف جاذبيتها الاستثمارية.
الى ذلك تنضاف كارثة بيئية وصحية وضعت مجمعات سكنية تحت وطأة الغازات والسموم
ولا تتوقف معاناة الساكنة عند حدود الأمن والنقل، بل تمتد إلى الخطر البيئي والصحي المباشر الذي يهدد سلامة الأطفال والمسنين.
عدا ذلك، تشهد المنطقة فوضى عارمة في منح واستغلال الرخص التجارية والصناعية؛ إذ تنتشر محلات الميكانيك ومعامل الخياطة غير المرخصة داخل الأحياء السكنية. وما يزيد الوضع خطورة هو إقدام بعض المصانع الكبرى بالمنطقة الصناعية (الكامبا) على:
- تصريف النفايات السائلة الكيميائية وذات الروائح الكريهة مباشرة في قنوات الصرف الصحي للساكنة، مما يتسبب في انسدادها وانبعاث روائح خانقة.
- غياب حاويات الأزبال: انتشار المزابل العشوائية في الأزقة وأمام المنازل في غياب تام لحاويات النظافة وتغطية شركة التدبير تفويض.
- تجاوزات معمل “ناتيراليست” بالمجمع السكني “لاكولينا”: حيث يستغيث قاطنو هذا المجمع جراء إحداث منشأة تطلق روائح كريهة، أوساخًا، وغاز البوتان بجوار منازلهم مباشرة، في استهتار واضح بالقوانين المنظمة للسلامة والبيئة.
والسؤال هو: من المسؤول عن هذه العشوائية في التدبير الكارثي؟
إن ما يحدث في جزناية يسلط الضوء على فشل المجالس الجماعية المتعاقبة وفجوة الحكامة بين المعنيين بالأمر على الصعيد المحلي.
إن العجز عن فرض سيادة القانون على المصانع المخالفة، والتراخي في التخطيط العمراني، وتجاهل حقوق الساكنة في البيئة السليمة والأمن والنقل، يجعل المسؤولين في موضع تساؤل مباشر.
وخلاصة القول:
إن الاستمرار في التعامل مع منطقة “جزناية” كـ “حديقة خلفية” لمدينة طنجة هو بمثابة قنبلة موقوتة اجتماعيًا وبيئيًا. وإن الساكنة اليوم لا تطالب بالرفاهية، بل تطالب بأبسط حقوق المواطنة: أمن يُحفظ، هواء يُستنشق، نقل يُحترم، وقانون يُطبق على الجميع بدون استثناء. فهل تتحرك ولاية طنجة والجهات المعنية لإعادة التوازن إلى هذه المنطقة المغضوب عليها تنمويًا؟
مجالس جريدة الكترونية تصدر عن مجالس ميديا